ستتغير معدّلات الرسوم الجمركية الفعلية التي تفرضها الولايات المتحدة للمرة الـ45 خلال الأشهر الـ18 الماضية، بمعدّل مرة كل 12 يوماً تقريباً. وقد ترتفع مجدداً الشهرَ المقبل إذا دخلت الرسومُ البالغة 50%، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب على بعض السّلع الكندية حيز التنفيذ، ومنها عصي الهوكي. ولا تشمل الرسوم واردات أساسية مثل النفط والبوتاس، لكن أسعارها قد ترتفع إذا ردت كندا بإجراءات انتقامية. ويُعيد ترامب بذلك إحياء استراتيجية تضر بالاقتصاد وتقوّض العلاقات التجارية طويلة الأمد.
ومن المتوقع أن يرتفع متوسط الرسوم المفروضة على جميع الشركاء التجاريين إلى نحو 13% بحلول الخريف، وهو أقل من مستويات «يوم التحرير» في أبريل 2025، لكنه لا يزال ضاراً. والرسوم الجمركية هي ضرائب على السلع المستوردة تدفعها الشركات، لكنها عادةً ما تُمرِّر جزءاً من تكلفتها إلى المستهلكين. وستؤدي الرسوم الحالية إلى إبطاء النمو الاقتصادي مع ارتفاع الأسعار وتراجع الاستهلاك، كما ستكلّف الأسرة الأميركية المتوسطة نحو 1100 دولار سنوياً.
ويثير ذلك تساؤلاً: لماذا تُصرُّ الإدارة على سياسات تؤجّج التضخم، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما يعد ارتفاع تكاليف المعيشة أكبر مخاوف أغلب الأميركيين حيث تبلغ أسعار البنزين 4 دولارات للجالون؟ كما يطرح سؤالاً آخر: ألم تصدر المحكمةُ العليا حكماً يمنع هذه الزيادات؟ عندما ألغت المحكمة في فبراير الرسوم الجمركية الرئيسية التي فرضتها الإدارة، أكدت أن الآباء المؤسّسين «لم يمنحوا السلطة التنفيذية أي جزء من سلطة فرض الضرائب».
ولهذا أعادت وزارة الخزانة أكثر من 80 مليار دولار من الرسوم الجمركية خلال السنة المالية الحالية. صحيح أن الرئيس يملك وسائل أخرى لفرض الرسوم، مثل التدخل عندما تُغرق دولٌ أخرى السوقَ بسلع أسعارها أقل من تكلفة إنتاجها، لكن القضاة الستة الذين خلصوا إلى أن السلطة التنفيذية قد تجاوزت صلاحياتها، أكدوا أن هذه الوسائل تخضع لـ«قيود على مدة الرسوم التي تجيزها ومقدارها ونطاقها». ومع ذلك، سارعت الإدارة خلال الأشهر الماضية إلى استخدام صلاحيات أخرى لإعادة بناء سياستها التجارية العالمية. فأعلنت أولاً إعادة فرض رسوم أُبطلت باستخدام المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي مادة تسمح برسوم مؤقّتة لمعالجة «مشكلات أساسية في ميزان المدفوعات الدولية». وأبطلت محكمة التجارة الدولية هذه الرسوم في مايو الماضي، لكن الحكومة استأنفت الحكم، بينما تنتهي هذا الأسبوع المهلةُ المحددةُ بـ150 يوماً لهذه الرسوم.
وبدلاً من الالتفاف على المهلة عبر فرض مجموعة رسوم مشابهة، لجأ فريق ترامب التجاري، بقيادة الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير، إلى ذريعة جديدة لفرض رسوم واسعة النطاق: مكافحة العمل القسري.وفي مارس، فتح «غرير» تحقيقاً مع 59 دولة، وكذلك الاتحاد الأوروبي، لعدم اتخاذ إجراءات ضد العمل القسري. واستند تقرير لاحق إلى مخاوف بشأن منتجات مثل التبغ من ملاوي والأرز من ميانمار والقطن من الصين، لتبرير رسوم تتراوح بين 10% و12.5% على غالبية الاقتصادات التي شملها التحقيق، ومنها النرويج التي كانت من الدول الرائدة في سَنِّ قوانين لمكافحة العمل القسري في سلاسل الإمداد العالمية.
ومن المفارقات أن رسوم «العمل القسري» الجديدة تُعيد إنشاء نظام جمركي مشابه للنظام الذي ألغته المحكمة العليا، رغم أن الهدف السابق كان مكافحة العجز التجاري، لا مراقبة ممارسات العمل. وحتى هدف حماية وظائف التصنيع لم يتحقق، إذ يواصل التوظيف في القطاع تراجعه خلال ولاية ترامب الثانية. وكانت المحكمة قد أكدت أن سُلطة فرض الضرائب تقع على عاتق الكونغرس، وأن تفويض الرئيس بسلطة فرض الرسوم «يخضع لقيود صارمة». وفي مواجهة تلك القيود، تُراهن الإدارة على قدرتها على تجاوز المؤسسات التي تهدف إلى تقييد سُلطاتها.
وقد تواجه الصلاحيات الجمركية الجديدة تحديات قانونية تستغرق وقتاً، بينما تستطيع الإدارةُ خلال ذلك استخدام مبررات جديدة لقوانين قديمة لتحقيق الأهداف نفسها، حيث تشبه تلك المناورة لعبة «اضرب الخلد».
ولا يوجد الكثيرُ مما يمكن فعله على المدى القصير للحدِّ من رسوم الإدارة التي تتحدى الاتفاقيات التجارية والقيود المفروضة على السلطة التنفيذية. لكن يبقى الأمل في أن يتصدى الكونغرس لهذه السياسة التي تحاول مصادرةَ سلطته.
*أستاذة في كلية الحقوق بجامعة يل ورئيسة مختبر الميزانية في جامعة يل.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


